سميح عاطف الزين

383

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

جزاء عمله ، فمن يعمل خيرا يجز به خيرا وشكرا ، ومن يعمل شرا ينل منه عذابا وذما . ثم تابع فتوحاته حتى بلغ قرية قوم عند حاجزين طبيعيين أو تقاطع بين سدّين ، فوجدهم متخلفين لا يكادون يفقهون شيئا . فعرضوا عليه ، في مقابل خرج من المال يؤدونه له ، أن يخلصهم من ظلم يأجوج ومأجوج ، وهؤلاء قوم قساة كانوا يغيرون على أهل تلك القرية بين الحاجزين اللذين تقوم قريتهم وراءهما ، فيعيثون فسادا في أرضهم ، دون أن تكون لديهم قدرة على صدّهم أو دفعهم عما يفعلون بهم . ولم تكن عند ذي القرنين أطماع في جمع المال ، بل كان يسعى في الأرض لاقتلاع الكفر والفساد ، وإقامة الحكم الصالح ، فلم يقبل من أولئك القوم الخرج الذي عرضوه عليه ، بل طمأنهم إلى دفع الشرّ عنهم بما مكّنه ربّه ، وهو خير - بإذن اللّه - على أن تكون لديهم الجلادة على العمل المضني الشاق - وغايته من ذلك أن يغير ما في نفوسهم من تخاذل وتكاسل - وذلك بأن يعينوه على صنع قطع الحديد ، ونقلها ليراكمها فوق بعضها البعض ، ويسد بها الممرّ الذي يعبر منه الغازون . وبدأ العمل ، واشتدت السواعد بعد لينها ، وقويت النفوس بعد ضعفها ، وراح الحديد يتجمّع فوق بعضه البعض حتى سدّ ما بين الحاجزين وارتفع إلى موازاة قمّتيهما ، فكأنما صار الحاجزان بمثابة صدفتين تطبقان على الحديد بينهما . ثم أشعل عندها نارا حامية شديدة حتى تلين الحديد وتشدّه إلى بعضه . ثم أمر بالنحاس فأذابه وصبّه فوق الحديد المحمى حتى يسد كل فراغ بينه ، ويجعله متراصا متماسكا وكأنه جزء لا يتجزأ من الحاجزين الطبيعيين ، حتى لا يعود باستطاعة قوم